أخبار

خالد الشربيني يكتب: زلزال الشرق الأوسط.. معركة النفوذ الكبرى


لم يعد الشرق الأوسط كما كان، وما يجري اليوم يتجاوز كونه مواجهة عسكرية عابرة؛ إنه تحوّل استراتيجي عميق قد يعيد رسم موازين القوى وحدود النفوذ في المنطقة. المشهد، وفق قراءة عسكرية لافتة، لا يُفهم بمعزل عن حسابات دقيقة في التوقيت والتحشيد وإعادة ترتيب القدرات.

اللواء أركان حرب المتقاعد احمد وصفي قدّم رؤية تعتبر أن ما يحدث لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة إعداد طويل شمل تحديثاً للترسانات وتنسيقاً زمنياً محسوباً، حيث يصبح عنصر التوقيت في ذاته جزءاً من أدوات الصراع.

لكن المسألة – في تقديره – لا تتعلق بإسقاط نظام سياسي بقدر ما ترتبط بإعادة هندسة التوازنات الاقتصادية. فجوهر المعركة يتمحور حول التحكم في شرايين التجارة والطاقة العالمية: من مضيق هرمز وباب المندب إلى قناة السويس، مروراً بالممرات البحرية ذات التأثير الحاسم في حركة الاقتصاد الدولي. السيطرة هنا تعني امتلاك أوراق ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا.

الهدف الأعمق – بحسب هذا التحليل – هو إعادة ضبط صعود القوى الكبرى المنافسة، وعلى رأسها الصين، عبر محاصرة قدرتها على الحركة الاقتصادية وتقليص هامش نفوذها العالمي.

وفي ما يتعلق بسرديات الخسائر، يشير وصفي إلى أن الصورة أثناء المعارك تبقى ضبابية بطبيعتها، وأن الحقيقة الكاملة لا تتكشف إلا بعد انقضاء المواجهات. غير أنه يلمّح إلى أن الضربات المتبادلة لم تكن من طرف واحد، وأن ميزان التأثير لا يُقاس بما يُعلن إعلامياً فقط.

أما عن تزامن الضغوط والأزمات في عدد من الدول الإقليمية الكبرى، فيرى أن المشهد يعكس محاولة لإشغال هذه القوى في محيطها المباشر، ومنع تشكل أي اصطفاف إقليمي قد يغيّر قواعد اللعبة. فالتنسيق بين عواصم محورية في المنطقة كفيل – إن حدث – بإعادة صياغة معادلات النفوذ.

وفي السياق التركي، تبدو الممرات البحرية الاستراتيجية محور اهتمام بالغ الحساسية، ما يفسر – وفق القراءة ذاتها – تصاعد الحضور الدبلوماسي والأمني في إدارة الملفات الخارجية، باعتبار أن المرحلة المقبلة هي صراع إرادات بقدر ما هي صراع جيوش.

العالم، في مجمله، يتجه نحو تعددية قطبية أكثر وضوحاً. الولايات المتحدة تعيد توزيع أولوياتها، وأوروبا تُدفع نحو الاعتماد على قدراتها الذاتية، بينما تتحرك قوى أخرى لملء الفراغات الاستراتيجية.

وفي الداخل المصري، الرسالة الأساسية هي التماسك. فالإدراك العميق بطبيعة التحولات، وامتلاك المعلومات، وتجنب الانجرار إلى الاستقطاب، تمثل عناصر قوة في لحظة تاريخية دقيقة. المرحلة المقبلة – كما توحي المؤشرات – لا تحتمل الانقسام، بل تتطلب اصطفافاً وطنياً واعياً بحجم التحديات.

هكذا يتبدى المشهد: صراع يتجاوز حدود المعركة، ويعيد طرح السؤال الأكبر… من يملك مفاتيح النظام الإقليمي الجديد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى